السبت 07 رجب 1444 . 28 يناير 2023

الحلقة (4) - مقدمة

تفسير الشيخ المسجل في تلفزيون دولة الكويت

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على عبد الله الرسول الأمين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه وعمل بسنته إلى يوم الدين.

وبعد؛ أيها الإخوة الكرام ... درسنا في هذا اليوم عن أسلوب القرآن، أنزل الله –تبارك وتعالى- كتابه القرآن على عبده ورسوله محمد –صلى الله عليه وسلم- ويسره للذكر، أنزله بلسان عربي مبين، وجعله ميسر للذكر، بمعنى أنه في متناول كل من يعي ويعلم العربية يستطيع أن يفهم عن الله –تبارك وتعالى-، قال –جل وعلا-: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}[القمر:17]، ومن هذا اليسر يُسر المعنى –وصول المعنى- وكذلك يُسر التلاوة، وكذلك يُسر الحفظ، وأما تيسير في حفظه فأمر عجب!، فإنك تجد الطفل المميِّزْ يحفظ كلام الله –تبارك وتعالى- بسهولة ويُسر، وكم ممن حفظوا هذا القرآن وهم لم يبلغوا بعد سن البلوغ والرشد، يكون قد جمع القرآن كله، تيسير المعنى أمر واضح وبيِّن فهو كتاب محكم مفصل بيِّن مبارك بكل معاني البركة، {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}[ص:29].

من أسلوب القرآن أنه أولًا استخدم أساليب العرب في البيان، وكذلك في البديع في تجميل الكلام، لكن بأسلوب معجز فإنه سهل مُيسر، وقد أخذ طرائق العرب في كلامهم – أعني مثلا في التشبيه والاستعارة والكناية وضرب الأمثال، فهذا كله من أسلوب القرآن، وكذلك بعض أساليبهم في البديع كالجناس والطباق والسجع، ولكنه يبقى أسلوب مُميَّز لم يسر على أي نسق من نسق كلامهم مثلًا في النثر، فهو ليس نثرًا كنثرهم، وليس شعرًا كشعرهم، وإنما هو قرآن كلام الله –تبارك وتعالى- الخاص، وإن كان قد استخدم نفس لغتهم نفس أساليبهم في البيان، استخدم القرآن الأساليب  العربية في البيان وفي البديع وجعل الألفاظ في خدمة المعنى، فمثلًا من أوائل القرآن نزولًا سورة المدثر، إذا قرأنا مثلًا سورة المدثر كيف جُعلت الألفاظ في خدمة المعاني {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)}[المدثر:1-7]، نجد الألفاظ هنا بهذه المقاطع القوية وكأنها طَرْق، كأنها من يطْرُق الباب على  أحد، {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2)}، والمعني إنما هو نداءٌ من الله –تبارك وتعالى- لرسوله –صلى الله عليه وسلم- أن يقوم بالمهمة التي جاءته وكُلف بها وهى أن يقوم بالنذارة إلى العالمين، {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} ثم إنّ وصف النبي هنا بـ(الْمُدَّثِّرُ) وذلك إثر خوفه لمّا نزل عليه الوحي لأول مرة وبسورة اقرأ رجع بها النبي –صلوات الله وسلامه عليه- يرجف بها فؤاده بعد أن رأى الملك جبريل الذي أتاه في صورة الإنسان فقدم له رقعة قال له: اقرأ ، قال: ما أنا بقارئ، يقول: فأخذني فضمني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال لي: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني الثانية فضمني حتى بلغ مني الجهد ثم قال لي: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، يقول النبي: أردت أن أقول بهذا لأتخلص منه يعني، فأخذني الثالثة فضمني إليه حتى بلغ مني الجهد ثم قال لي: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)}[العلق:1-5]، فحفظها منه ثم انطلق الملك ورجع النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى خديجة –رضي الله تعالى عنها- يرجفُ فؤاده وهو يقول: دثروني .. دثروني، بعد ثلاث سنوات من انقطاع الوحي عن النبي نزلت سورة الْمُدَّثِّرُ يقول الله –تبارك وتعالى- فيها: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2)} [المدثر: 1-2] هي مداعبة من الرب –تبارك وتعالى- لنبيه الذي تدثر خوفًا فوصفه بهذا الوصف ليبيّن أن الوقت الذي أتاه ليس وقت تَدثُّر وإنما قد جاءته مهمةٌ كبيرة، أن يقوم بالنذارة قال: {قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ(3)وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(4)وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ(5)وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ(6)وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ(7)}[المدثر:2-7]، لسنا بصدد تفصيل المعنى، وإنما بيان كيف جُعلت هذه الألفاظ في خدمة المعنى، تقرأ هذا الأسلوب لاستنهاض الهمة وللتكليف بالمهمة.

وإذا قرأت في باب آخر – باب قيام الليل ينزل على النبي بعد ذلك قول الله –تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا(6)}[المزمل:1-6]، فنجد أن البحر والسياق هنا  سياق كأنه سياق الرحلة، وسياق السفر، وسياق أشبه بالحداء الذي  يُحدَى به، وذلك أنّ المقام مقام تكليف النبي –صلى الله عليه وسلم- بقيام الليل، والسرعة فيه مع الله –تبارك وتعالى- مع القرآن فيأتي السياق مغاير لسياق الإيقاظ من أجل الدعوة وحمل الرسالة.

في سياق البيان و إيضاح الأحكام نجد أنّ السياق يختلف،  فمثلًا نقرأ قول الله –تبارك وتعالى-: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}[النساء:11]، نجد أنّ السياق سياق تعليم وتفهيم، وكأنّه درس يوضع في الحساب، وفي توزيع التركة وكيفيتها مع إتْبَاع هذا بالوعظ والتوجيه، إلى عدم الميل في شيء مما فرضه الله –تبارك وتعالى- فيبدأ بها {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} أن يكون كذا، ثم بالنسبة لميراث الوالدين، ثم يقول الله –تبارك وتعالى-: {وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} حتى لا يميل أحد، ثم يقول: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} يعني فرضها الله -تبارك وتعالى-، فتوظيف هذه الألفاظ في بيان المعنى نجد أنها هي المناسبة تمامًا، فالحكمة تقتضي نزول اللفظ لشرح هذا المعنى على ما نزلت عليه، ولا غرو فهذا كلام الله –سبحانه وتعالى-.

 في القتال؛ نجد أنّ السياق يختلف، والألفاظ تختلف فإذا قرأنا مثلًا سورة القتال نجد الأمر مختلف {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3) فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)}[محمد:1-6]، نجد أنّها هذه خطبة حرب، هذه خطبة حرب وأنّها الألفاظ والسياق موظف لبيان أحكام القتال واستنهاض همة أهل الإسلام للقتال استنهاضًا عظيمًا، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[محمد:7]، فنجد أنّ الأمر مختلف كأنها خطبة محارب يخطب ليستنهض الهمم، كل هذا فأي معنى من المعاني التي جاء القرآن لبيانها كان السياق والألفاظ إنما هي موظفة في خدمة هذا المعنى بأسلوب معجز لا يستطيعه إلا الرّب –سبحانه وتعالى- منزّل هذا القرآن.

 في البيان ذكرنا أنّ القرآن اتخذ أساليب العرب، لكن مثلًا من أساليب العرب الأمثال، القرآن جاءت فيه أمثال كثيرة الله –تبارك وتعالى- ضرب الأمثال، وضرب الأمثال أحيانًا بأمور بالحشرات ببعض الحيوانات الدنيا كالكلب والحمار والعنكبوت والذبابة، حتى قال الكفار ماذا أراد الله بهذا مثلًا، قالوا إنّ كلام الملوك يترفع عن ذكر هذه الحيوانات والحشرات الحقيرة فأخبر –سبحانه وتعالى- أنه لا يستحي أن يضرب مثلًا ما قال –جل وعلا-: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا...} [البقرة:26] قال –جل وعلا-: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)}[البقرة:26-27]، فالمثل إنما هو صورة حسيِّة تُضرب لتقريب صورة معنوية، فإنّ الأمور الحسية التي تقع تحت المشاهدة والسمع – تحت الحواس أقرب إلى الفهم والعلم من الأمور المعنوية، لأنّ الأمور المعنوية تحتاج إلى مخيلة عقلية يتصور الإنسان فيها هذا الأمر المعنوي، هذه الأمور البعيدة العقلية تصور بأمور حسية لتكون قريبة من الذهن والفهم، و العرب كانوا من أكثر الناس استخدامًا للأمثال، فالله –تبارك وتعالى- وظف المثل في خدمة البيان القرآني على أتم صوره، وسيأتي هذا في مكانه إن شاء الله، لكن المقصود من البيان أنّ القرآن قد ملأَهُ الله –تبارك وتعالى بالأمثال فضرب مثلًا لنفسه ومثلًا لما يُعبد من دونه –سبحانه وتعالى-، كما عقد المقارنات الكثيرة بين الله الإله الحق الذي لا إله إلا هو والآلهة الباطلة التي تُعبد من دونه، ومثلًا لرسوله –صلوات الله وسلامه عليه-، و ضرب مثلًا لهذا الهدى النازل من عنده –سبحانه وتعالى- وبين عمل المؤمن وعمل الكافر، و  ضرب أمثالًا لمن ينفق في سبيل الله ومن يعمل عمل الدنيا لا وجهة له، و ضرب أمثالًا لعمل الكفار فشبه عمل الكفار وضرب مثلًا له بأنه كالسراب الذي يركض وراءه من يركض ثم لا يجدهُ شيئًا، أو بالظلمات المدلهمة التي لا يتبيّنُ فيها من يسير فيها أي طريق، قال –جل وعلا-: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ...}[النور:39]، شبه الله –تبارك وتعالى- عمل الكفار وركضه وراءه سواء كان عمله الدنيوي أو عمله الذي عمله الدين الذي يظن أنه نافعه عند الله –تبارك وتعالى- قال: {... كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}[النور:39]، أو كظلمات يعني هذا مثل آخر لعمل الكافر، {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}[النور:40].

 ضرب الله –تبارك وتعالى- أمثالًا للمتصدق الذي يتصدق ثم بعد ذلك يبطل صدقته {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}[البقرة:266].

 ضرب الله مثلًا للعالم الذي يعني سار بعلمه وقت ثم بعد ذلك انقلب على وجهه ؟؟عياذًا؟؟ بالله، {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ...}[الأعراف:175-176] مثلًا لليهود في عدم حَمْلِهم لما حمَّلهُم الله –تبارك وتعالى- إياه من التوراة، حملوها صورة ولكن بغير موضوع، بغير أن يعملوا بها، قال: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[الجمعة:5].

الشاهد أنّ الأمثال في القرآن كثيرة وقال –جل وعلا-: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}[العنكبوت:43]، ودحض الله –تبارك وتعالى- أمثال الكفر التي كانت تضرب له وبيَّن المثل الحق الذي يستحقه –سبحانه وتعالى- قال: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ...}[النحل:74]، وذلك أنّهم كانوا يضعون الله –تبارك وتعالى- في مثل قياسي يقيسونه بغيره –سبحانه وتعالى- والله لا يقاس بغيره، أو في مثل تشبيهي يقيسون الله بغيره أو يشبهون الله –تبارك وتعالى-بأمور في الأرض قال –جل وعلا-: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}[النحل:74]، فالله لا يكون في نوع يشمل هذا النوع لأنّ الله –تبارك وتعالى- هو الواحد الأحد المتفرد –سبحانه وتعالى-، ولا في مثل تمثيلي يُجعل لله –تبارك وتعالى- مثيل أو كفؤ أو شبيه تعالى الله عن ذلك، الشاهد أنّ هذا أسلوب من أساليب القرآن، استخدام القرآن لضرب الأمثال وللتشبيه، فضرب الشبه  بالأمور البعيدة و بالأمور القريبة وكذلك بالأمثال.

أساليب البيان التي كان العرب يستخدمونها استخدمها القرآن، كأسلوب الحصر، أسلوب تقديم  المعمول على العامل من أجل الحصر، أسلوب استخدام السؤال في غير الاستفهام وهذا كثير جدًا في القرآن، أن يأتي السؤال وطبعًا لا يراد به الاستفهام، بل يراد به معاني أخرى معاني بلاغية كالتقرير والتوبيخ والتقريع والتأنيب وهذا كثير في القرآن، {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ}[التين:8]، "أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ" سؤال يراد به التقرير أي لا شك أن الله –سبحانه وتعالى- هو أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ، {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ...}[الزمر:36]، {.... أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ}[الزمر:37]، والجواب لا شك أنّ الله عزيز –"سبحانه وتعالى- ذِي انْتِقَام".

فأقول أساليب العرب في البيان قد استخدمها القرآن، لكنه لم يستخدم الأساليب العربية التي هي بمعنى المبالغة والكذب فالتهويل والكذب هذا بعيد عن القرآن فإنّ هذا القرآن لا شك فيه ولا ريب فيه، أعني أنّ القرآن لم يستخدم كل أساليب العرب في البيان فإنّه كان من أساليبهم في البيان التهويل، يهولون الأمر يكون أمر صغير لكن يهولونه بالكلام ويعطونه على غير صفته، لا القرآن ليس فيه تهويل، بل ما فيه مما يسمى بالتهويل إنما هو حق لقول الله –عز وجل-: {الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ(3)}[الحاقة:1-3]، هذا لتهويل الأمر، لكن ليس لتهويله بمعنى إعطاؤه صورة أكبر من الصورة الحقيقية لا، بل "الْحَاقَّةُ" وهي يوم القيامة لا شك أنّ الله –تبارك وتعالى- صور لنا الأمر مما يكون كما سيكون، بل إنّنا لو رأينا على الحقيقة ما سيكون لرأيناه أكبر مما تتخيله عقولنا وتتصوره، فالتهويل بمعنى إعطاء الأمر الصغير صورة أكبر من حقيقته ليس في كتاب الله –تبارك وتعالى- بل هو كما قال الله: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ}[الطارق:13-14]، فهو قولٌ فَصْل وليس فيه هَزْل، ثم ليس فيه شك، ليس في القرآن ما يجوز نفيه، ولذلك المجاز الذي -يعني باصطلاح أهل البلاغة- ليس في القرآن على هذا النحو، أي أمر يجوز أن ينفى، بل هو كِتَابٌ لا رَيْبَ فِيهِ كما وصف الله –تبارك وتعالى- كتابه فقال: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)}[البقرة:1-2]، فكل كلام الله –تبارك وتعالى- حق، وليس في القرآن شيء يمكن أن ينفى وأن يقال عنه إنه قد وضع للمبالغة أو التهويل، أو أنه جاء لتقريب المعنى، وليس الأمر كذلك بل لا شك أن القرآن هو حق، مضمونه حق وأن الألفاظ التي وضعت له إنما وضعت لبيان المعنى دون تهويل، ودون أن يكون شيئًا غير مراد وإنما هُوِّل، فقول الله –تبارك وتعالى- مثلًا في وصفه لشجرة الزقوم قال: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ(70)}[الصافات:64-70]، تصوير الشجرة على هذا النحو هو لا شك أنه حق كما أخبر به الله –تبارك وتعالى- وهو الصورة الله –سبحانه وتعالى-  لا يكذب ولا يُهول {...وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}[النساء:122]، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}[النساء:87].

أيضًا ... من أسلوب القرآن البعد عن الفحش، ليس في القرآن كلمة فاحشة، بل القرآن كله مُنزَّه أن يكون فيه شيئًا من الفحش، تكلم القرآن عن كل الأمور التي يستقبح الكلام عنها بألفاظها، وقد عالج القرآن أحكام  الجماع وأحكام الحيض والنفاس، وبيان آيات الله –تبارك وتعالى- في أصل خلق الإنسان، وكل ذلك بأسلوب عالٍ ورفيع، تقرأه الفتاة العذراء فلا يخدش حياءً لها، ويقرأه كل أحد فلا يجد فيه كلمة بذاءة ولا فحش واحدة، مثلًا قول الله –تبارك وتعالى- في شأن الحيض قال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}[البقرة:222-223]، كلام في منتهى العلو وسمو الكلام، وهو يتكلم عن هذه الأمور الخاصة جدًا ويبيِّن أحكامها ويفصلها، حتى في هيئات الجماع فيعالجها بأرفع وأعلى صورة، ولا غرو في ذلك فهو كلام الرّب –سبحانه وتعالى- البعيد عن كل فحش وكل بذاءة، مع بيان الحكم وسعته وتفصيله {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ ...}[البقرة: 223]، في أصل الخلق يقول الله –تبارك وتعالى-: {فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8)}[الطارق:5-8]، في قضاء الحاجة وأحكامها يقول الله –تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ...}[المائدة:6] الآية، فانظر  أسلوب الرّب –تبارك وتعالى- في بيانه لهذه الأحكام، ومنها معاشرة ومنها قضاء حاجة، كيف عبّر عن هذه الأمور بأحسن عبارة وأتم بيان، وتكلم الله –تبارك وتعالى- بكلام بعيد عن كل معاني الفحش والبذاءة وهو يفصل -سبحانه وتعالى- هذه الأحكام.

أقول القرآن قد نَزَلَ حكمًا عربيًا لكل الأحكام التي تحتاجها الأمة، {... وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ...}[النحل:89]، من آداب قضاء الحاجة وأحكام الطهارات ، وأحكام النساء، وبعد ذلك ارتفاعًا إلى العبادات والمعاملات، كل هذا تكلم به الرّب –تبارك وتعالى- بكلام لا يخدش حياءً، ليس فيه لفظة من الألفاظ ممكن أن نقول أنها كلمةُ فُحش أو خارجة، بل يتنزه كلام الرّب –تبارك وتعالى- عن ذلك، وليس التنزه هو عدم ذكر هذه الأمور، بل ذكرها وببيانها بأسلوب القرآن العالي والرفيع وذلك أنه كلام الله –تبارك وتعالى-، انظر إلى قول الله –تبارك وتعالى-: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}[البقرة:187] ، كذلك بهذا البيان والتفصيل وهذه أمور من الأمور الخاصة جدًا والأمور الداخلية، لكنّ الله –تبارك وتعالى- يبينها ويفصلها بأسلوب عظيم رفيع، هذا كلام الرّب –تبارك وتعالى- المنزّه عن كل عيب ونقص.

هذا أسلوب القرآن، أقول هذه بعض أساليب القرآن في البيان، ذكرناها لنعلم أيَّ كتابٍ أنزله الله –تبارك وتعالى- إلينا، ليكون للعالمين نذيرا، ويكون بيانًا لصراطه المستقيم والطريق إليه، أسأل الله –تبارك وتعالى- أن يجعلنا من أهل هذا الكتاب.

استغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه.