الجمعة 06 شوّال 1446 . 4 أبريل 2025

الحلقة (643) - سورة الفتح 9-15

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين؛ سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه وعمل بسنته إلى يوم الدين.

وبعد فيقول الله -تبارك وتعالى- {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}[الفتح:10] {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}[الفتح:11] {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا}[الفتح:12] {وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا}[الفتح:13] {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}[الفتح:14]، قول الله -تبارك وتعالى- {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}، البيعة إشارة إلى البيعة التي أخذها النبي -صل الله عليه وسلم- في بيعة الشجرة؛ بيعة الرضوان، في هذه الغزوة؛ غزوة الحديبية، وكان السبب في أن النبي أخذ هذه البيعة أنه لمَّا أرسل رسولًا إلى قريش؛ أرسل عثمان ابن عفان -رضي الله تعالى عنه-، واختار النبي عثمان لأن عصَبَته كانت مازالت في قريش وهم رؤساء الناس في قريش، فأرسله النبي -صل الله عليه وسلم- رسولًا من عنده إلى قريش ليخبرهم أن النبي إنما جاء لا يُريد قتالًا؛ وإنما جاء مُعظِّمًا لهذا البيت، وجاء وقد ساق الهَدي وإنما يُريد أن يعتمِر ويعود ومَن معه بعد ذلك إلى المدينة؛ ولا يُريد قتال، فلمَّا ذهب عثمان ابن عفان أخذت قريش الحَمِيَّة؛ حَمِيَّة الجاهلية، وقالوا "محمد يدخلها علينا؛ والله لا يدخلها علينا عنوة أبدًا"، وقالوا لا يمكن أن نُدخِله، وقالوا لعثمان "إن شئت أنت أن تطوف بالبيت فطُف؛ نسمح لك أن تطوف بالبيت"، فقال "ما كنت لأطوف بالبيت دون رسول الله -صل الله عليه وسلم-"، وعثمان مُحرِم وجائهم الرسول وهو مُحرِم، فقال "ما كنت لأطوف دون رسول الله -صل الله عليه وسلم-".

ثم إنهم أخفوه وحبسوه أن يرجع إلى النبي -صلوات الله والسلام عليه-، ثم أُشيع الخبر بأن عثمان قد قُتِل فعند ذلك قال النبي "لا نذهب حتى نُناجِز القوم"، ما في ذهاب بعد ذلك حتى نُناجِز القوم؛ نقاتلهم، ثم أن النبي -صل الله عليه وسلم- ندَبَ أصحابه إلى أن يُبايعوه، قال "بايعوني، قالوا على ماذا نُبايعك؟ قال بايعوني على ألا تفروا"، فالجيش كله الذي كان مع النبي -صل الله عليه وسلم- كلهم بايعوا النبي -صلوات الله والسلام عليه-، وهذا أمر عظيم جدًا من هؤلاء الصحابة أنهم وقد خرجوا يُريدون العمرة؛ لا يُريدون قتالًا، ثم فوجئوا بهذا الأمر ووقفوا وتحمَّلوه وقالوا نعم؛ نُبايعك، ويقول سلَمَة ابن الأكوع -رضي الله تعالى عنه- "بايعنا النبي على الموت"؛ يعني على الموت وألا نفر، يعني نُقاتل وإن قُتِلنا؛ ما في فرار، فكلهم بايعوه إلا الجَد ابن قيس فقط، يقول جابر "الجَد ابن قيس وأحد بني سلَمَة وجاء واختبأ بين رجلي ناقته حتى أتم النبي -صل الله عليه وسلم- البيعة"، فبايعوا النبي، بيعة؛ صفقة، هذه البيعة صفقة أن يُعطي المسلم هذا؛ أنه يقاتل ولا يفر، والوَعْد على هذا من الله -تبارك وتعالى-، فهنا عظَّم الله -تبارك وتعالى- شأن هذه البيعة؛ وأن هذه البيعة مع الله، نعم النبي هو الذي يبسط يده ويُبايع أصحابه، لكن النبي -صل الله عليه وسلم- إنما يأخذ البيعة لله -تبارك وتعالى-، قال -جل وعلا- {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ}، بالحصر؛ هذه بيعة لله -جل وعلا-، لأن هذا رسول الله -تبارك وتعالى- إنما يأخذ البيعة لله -جل وعلا-.

{يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}، وهذا بيان أن يد الله -تبارك وتعالى- فوق أيدي هؤلاء، بمعنى أنه كأن يدهم إنما تُبايع يد الرب -تبارك وتعالى- والصفقة تكون مع الله -جل وعلا-، ونسبة اليد إلى الله -تبارك وتعالى- هذه نسبة حق، فالله -تبارك وتعالى- له يدان كما في قول الله -تبارك وتعالى- لإبليس {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، وقال النبي -صل الله عليه وسلم- «يد الله ملئى سحَّاء الليل والنهار، ألم تروا ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؛ فإنها لم تُغِض ما في يمينه»، وقال «أُناس على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين -سبحانه وتعالى-»، فالشاهد أنها صفة من صفات الله -تبارك وتعالى- لائقة بذاته؛ وليست كصفات الخلْق، تعالى الله -تبارك وتعالى- أن يكون متصفًا بصفات كصفات الخلْق، فالله -تبارك وتعالى- {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} -سبحانه وتعالى-، {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}، هؤلاء المُبايعين، ثم قال -جل وعلا- {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ}، ونكث البيعة هو نقضها؛ والتفصِّي منها، والخروج منها، فمَن نكَث أي في بيعته فإنما ينكث على نفسه، يعني لا يضر الله -تبارك وتعالى- شيء وإنما نُكثُه يكون على نفسه؛ على نفس الناكث، {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ}، ضيَّع أجره وثوابه عند الله -تبارك وتعالى-؛ واستحق العقوبة من الله -جل وعلا-.

{وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}، التوفية هي إعطاء الشيء وافيًا؛ يعني كاملًا، يعني أتم ما عاهد الله -تبارك وتعالى- عليه من أنه يبقى أبدًا يقاتل في سبيل الله؛ ولا يفر، وهذه البيعة لا شك أنها لهذه الغزوة ولِما تليها من غزوات، يعني خلاص يصبح هذا رجل قد باع نفسه لله -تبارك وتعالى-، فحيما قتال فلا فرار ولذلك طالب النبي -صل الله عليه وسلم- بهذه البيعة بعد ذلك؛ في السنة الثامنة، عندما وقعت غزوة حُنين وفر الناس أمر العباس أن يُنادي في الناس ويقول "يا أصحاب الشجرة"، هم الذين بايعوا النبي تحت الشجرة، فكان أحدهم لمَّا يسمع النداء يلوي زمام ناقته إلى جهة الصوت؛ أو فرسه إلى جهة الصوت، فإن لم تُطاوعه من زحمة الناس يُخليها؛ يترك زمام الناقة، ويقفز على الأرض ويفر إلى جهة الصوت؛ يذهب إلى جهة الصوت، وكان هذا النداء في دغش الصبح؛ في ظلمة الصبح بعد، وهو ينادي "يا أصحاب الشجرة" ففروا إلى جهة الصوت حيث كان رسول الله -صل الله عليه وسلم-، ثم لمَّا اجتمعوا عليه استقبل بهم النبي -صل الله عليه وسلم- الكفار؛ نزل نصر الله -تبارك وتعالى-، فهذه البيعة مُطالَب المؤمن بها على طول، هو باع نفسه لله -تبارك وتعالى- فيبقى طيلة الحياة؛ وهذا أمر عظيم جدًا، ولذلك يأتي بأن الله -تبارك وتعالى- قد رضي عن هؤلاء، قال {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ........}[الفتح:18]، من الإخلاص لله -تبارك وتعالى-، ومن الصدق؛ أنهم صادقون في هذه البيعة، وأنهم بايعوا ما بايعوا تزييف ولا كذب وإنما بايعوا بصدق؛ أنهم بالفعل باعوا أنفسهم لله -تبارك وتعالى-، {........ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}[الفتح:18]، ما قُتِلوا وإنما أثابهم الله -تبارك وتعالى- الفتح القريب؛ وهو فتح خيبر كما سيأتي، {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ}، أوفى؛ أدى هذا وافيًا، {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}، والله هنا الذي يؤتيه، قال فسيؤتيه لأن البيعة مع الله، {أَجْرًا عَظِيمًا}، والأجر العظيم؛ الجنة، وكلمة أجر عظيم خلاص؛ يعني ثواب عظيم منه -سبحانه وتعالى-، عظيم وهو عظيم؛ عظيم، عظيم ثواب الله -تبارك وتعالى- في جنته ورضوانه -جل وعلا-، قال {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.

ثم رد الله -تبارك وتعالى- الحديث إلى هؤلاء الذين تخلَّفوا عن النبي -صلوات الله والسلام عليه-؛ وبيان مقالتهم واعتذارهم بعد عودة النبي -صل الله عليه وسلم-، قال -جل وعلا- {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا}، هذا إخبار من الله -تبارك وتعالى- بما سيقوله المُخلَّفون؛ الذين تخلَّفوا عن النبي -صل الله عليه وسلم-، ولم يُريدوا أن يخرجوا معه في هذه الغزوة وإلى العُمرة خوفًا، قالوا أيش لون يروح؟ كيف يذهب إليهم وهم قوم قد غزوه في عُقر داره؟ غزوه في أُحُد وفي الخندق ويذهب إليهم في دارهم؛ سيستأصلونه، قالوا أن الكفار سيستأصلوا المسلمين ولن يعود منهم أحد مرة ثانية إلى المدينة، قال -جل وعلا- {سَيَقُولُ لَكَ}، وقول الله سيقول أنهم لم يقولوه بعد، وإنما عند العودة سيقولونه، وهذا إخبار من الله -تبارك وتعالى- بأمر مستقبلي سيتحقق؛ وقد تحقق، {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا}، يعتذروا لك بهذا؛ والله اشتغلنا بأموالنا، أموالهم يعني رعايتهم؛ ومواشيهم، وزراعاتهم، شغلتنا أموالنا وأهلونا كذلك، {فَاسْتَغْفِرْ لَنَا}، الأهل من الأولاد والنساء، فاستغفر لنا يعني يطلبون منه أن يستغفر الله -تبارك وتعالى- لهم لتخلُّفهم في انشغالهم، قال -جل وعلا- {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}، يقولون بألسنتهم هذا القوم ما ليس في قلوبهم؛ الذي في قلوبهم غير هذا تمامًا، طبعًا الذي في قلوبهم إنما كان الخوف وظنهم أن النبي لن يعود مرة ثانية إلى المدينة، أن هذه خرجة واحدة إذا خرج لقريش فإن قريش ستُحيط بهم وتستأصلهم، {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا}، يعني يا أيها المغفلون الجاهلون الآن أنت إذا تخلَّفت عن النبي -صل الله عليه وسلم- وتخلَّفت عن الجهاد حميت نفسك، والحال أنك في قبضة الله -تبارك وتعالى- وتحت مقاديره في أي مكان، {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا}، مَن يملك لك من الله شيئًا؟ إن أراد بكم؛ يعني الرب -تبارك وتعالى-، {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا}، إذا أراد الله -تبارك وتعالى- بك ضُر؛ مَن يملك لك شيء؟ يملك لك أنك تتخلف، إذا أراد الله أن يُصيبك بضر سيُصيبك؛ لو كنت في شِعَف الجبل، ولو كنت في أهلك، ولو كنت في أي مكان كنت، وإذا أراد الله -تبارك وتعالى- بك نفع فكذلك لا يستطيع أحد أن يمنع هذا النفع عنك، فالأمر كله بيد الله -تبارك وتعالى-، قُل أي لهم؛ لهؤلاء الذين تخلَّفوا بهذا الظن الخبيث والظن السيئ وهو أن النبي لن يعود مرة ثانية إذا خرج إلى مكة، {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}.

بل؛ إضراب على هذا، كان الله -سبحانه وتعالى- بما تعملون خبيرًا، ثم الحقيقة التي في قلوبهم قال -جل وعلا- {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا ........}[الفتح:12]، بل الحق الذي من أجله كان تخلُّفكم هو أنكم قد {ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا}، أنهم إذا ذهبوا إلى مكة فلا عودة لهم؛ وأنه سيُستأصلوا وسيقتلهم الكفار، {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ}، الذين خرجوا معه، {إِلَى أَهْلِيهِمْ}، أي في المدينة، {أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ}، هذا الأمر من الظن الخبيث هذا طبعًا بأمر غيبي، هذا زُيِّن في قلوبكم؛ يعني جُمِّل فيها وحُسِّن لهم، وأصبح كأنه شيء من اليقين، وأنه هذا أبدًا هو النتيجة الحتمية أن ما في عودة للرسول والمؤمنين مرة ثانية إلى المدينة، {وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ}، قال -جل وعلا- {وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ}، هذا ظن السوء؛ الظن السيئ بالله -تبارك وتعالى- وبرسوله، {وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا}، لا خير فيكم؛ بائرين، البور؛ الخراب، يعني كنتم قومًا خربانين، قوم خراب؛ خراب في القلوب، خراب في النفوس، ضعف، جُبن، قعود عن الجائزة العظمى والفوز العظيم؛ الفوز المبين، قعود عن نُصرة الله -تبارك وتعالى- الذي له جنود السماوات والأرض -سبحانه وتعالى-، وقعود في ما تظنوا أنه حماية لكم، والحال أنكم لا تستطيعون أن تحموا أنفسكم من الله -تبارك وتعالى-، أكبر خراب؛ خراب قلوب وخراب نفوس، {وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا}، بائرين، خائبين، خاسرين، لا خير فيكم، {وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا}.

ثم قال -جل وعلا- {وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا}[الفتح:13]، تهديد من الله -تبارك وتعالى-، {وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا}[الفتح:13]، وذلك أن الله -تبارك وتعالى- أرسل رسوله بالإيمان؛ والهُدى، والدين، والدعوة إلى هذا الطريق العظيم وما فيه من هذه التكاليف، فهو أمر لازم؛ الإيمان بالله ورسوله أمر لازم، وبالتالي الخروج عن هذا الإيمان تعريض للعقوبة، {وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا ........}[الفتح:13]، هيأنا، {لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا}، نار مُستعِرة؛ مشتعلة، سعيرًا؛ نار مشتعلة دائمة الاشتعال ولا تخبوا، {فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا}.

ثم قال -جل وعلا- {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}[الفتح:14]، هذا بيان من الله -تبارك وتعالى- بعد التعقيب على هذا بأنه اعلموا أيها المخاطبين بأن لله ولله وحده؛ لا لغيره -سبحانه وتعالى-، الله مالك السماوات والأرض، {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ}، السماوات؛ كل ما علانا، والأرض؛ كل ما تحتنا، هذه السماوات السبع وهذه الأراضين السبع كل هذا خلْق الله -تبارك وتعالى-؛ مُلك لله، مُلك ذات؛ رقبة، يملِك الله -تبارك وتعالى- ذواتها وذلك أنه مُخرِجها من العدم -سبحانه وتعالى-، وهو الذي أعطى كل شيء فيها خلْقَه؛ من الذرَّة الصغيرة، إلى المجرة الكبيرة، إلى كل الكائنات والعوالم، كل شيء قد أعطاه الله -تبارك وتعالى- خلْقَه؛ وصفته، وطريقه، {........ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}[طه:50]، ثم هدى كل مخلوق إلى مساره؛ ومداره، وطرق حياته، كل مخلوق؛ من النملة الصغيرة، إلى الفيل الكبير، إلى الملَك، إلى الإنسان، كلٌ قد أخذ طريقه والله -تبارك وتعالى- هو المُتصرِّف فيه -سبحانه وتعالى-، فهو المُتصرِّف في شئون الخلْق؛ الله له الخلْق والتصريف، {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}، فالخلْق كله لله والأمر كله لله -سبحانه وتعالى-، ولذلك فالله -تبارك وتعالى- يملك هذا الكون؛ يملكه ذاتًا ويملكه تصريفًا، يملك تصريفه، {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[آل عمران:26] {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}[آل عمران:27]، فالله ملِك ومالك السماوات والأرض ذاتًا وتصريفًا.

{يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ}، هذا من تصريفه -سبحانه وتعالى-، يغفر لِمَن يشاء من عباده، يغفره؛ يغفر ذنبه، يستره ويُغطيه، ولا يُحاسِبه عليه، وطبعًا هذه المغفرة جعلها الله -تبارك وتعالى- بأسباب منه كذلك يُسببها لهذا العبد منها توبته ورجوعه إليه -سبحانه وتعالى-؛ واستغفاره من الذنب، كما قال –جل وعلا- في أول ذنب لهذا الجنس؛ لآدم، قال -جل وعلا- {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}[البقرة:37]، فآدم تلقَّى هذه الكلمات التي كانت بها إقالة عثرته وذهاب ذنبه، {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[الأعراف:23]، فلمَّا قالا هذا القول وهذا القول قد تلقَّياه من الله -تبارك وتعالى-؛ الله -تبارك وتعالى- لقَّاهم هذا وهيأهم لهذا فتاب الله -تبارك وتعالى- عليهم، فيغفر لِمَن يشاء من عباده -سبحانه وتعالى- بتهيئة، أنه يُهيِّئ كذلك لهذا العبد أسباب التوبة؛ والرجوع، والمغفرة، فيتوب الله -تبارك وتعالى- عليه، فالمُلك كله له والأمر كله بيده -سبحانه وتعالى-، {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ}، التعذيب؛ العقوبة بالعذاب الشديد، مَن يشاء؛ -سبحانه وتعالى- فهو المالك والحاكم في خلْقِه -سبحانه وتعالى-، كما حكَمَ على إبليس بأنه يُذنِب؛ ويظل في الذنب، ويستكبر فيه، ليكون عذابه النار بعد ذلك، فإن إبليس أذنب ولم يوفِّقه الله -تبارك وتعالى- إلى الإقالة وإلى الاستغفار؛ بل أصر، واستكبر، وعلا، {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}[ص:76]، خلاص؛ فوقعت عليه عقوبة الرب -تبارك وتعالى-، {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}[ص:77] {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ}[ص:78]، وظل يسير في هذا العذاب، وكذلك الكافر؛ فإن الكافر يُحرَم من عناية الرب -تبارك وتعالى-، فيسير في الكفر ويمشي فيه إلى أن يقع في عقوبة الرب -تبارك وتعالى-، فالمشيئة كلها له؛ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

{يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ}، من عباده -سبحانه وتعالى-، مَن شاء الله -تبارك وتعالى- أن يغفر له غفر له، {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ}، كذلك من عباده -سبحانه وتعالى-، وقدَّم المغفرة هنا ليكون هذا حض لهؤلاء المُتخلِّفين يفتح لهم الباب، أن يفتح لهم الباب الذين وقعوا في هذا الإثم؛ وظنوا هذا الظن السيئ بالله -تبارك وتعالى-، وتخلَّفوا عن نُصرة النبي -صل الله عليه وسلم- خارج لهذا الخير؛ خارج للعُمرة، وخارج لهذا الأمر العظيم، لمَّا تخلَّفوا وعملوا هذا الذنب العظيم فالله -تبارك وتعالى- أخبر بأن المُلك كله بيده؛ وقدَّم أنه يغفر لِمَن يشاء ويُعذِّب مَن يشاء، فقدَّم المغفرة لعلهم هم وأمثالهم أن يعودوا إلى الله -تبارك وتعالى-، {........ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}[الفتح:14]، وختم كذلك الآية بالمغفرة ليكون هذا تأكيد على هذا الأمر، وحث لكل مَن خانته نفسه وسوَّلت له معصية الله -تبارك وتعالى- أن يعود إلى الله -تبارك وتعالى-، {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}، هذا من صفته -جل وعلا- أن غفور؛ كثير المغفرة، رحيم بعباده -سبحانه وتعالى- المؤمنين.

ثم ذكَرَ الله -تبارك وتعالى- عن حال هؤلاء المُخلَّفين وكيف أنهم حُرِموا كذلك من أجل مُعجَّل للمؤمنين الصالحين؛ الصادقين في الدنيا، قال -جل وعلا- {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا}[الفتح:15]، هذه الآية نزلت بعد أن عاد النبي -صل الله عليه وسلم- إلى المدينة، وبعد ذلك الله -تبارك وتعالى- أخبر نبيه بأنه قد جعل جائزة مُعجَّلة لهؤلاء الذين خرجوا معه وهي أن ينتصروا في خيبر؛ وأن يُملِّكهم الله -تبارك وتعالى- أرض خيبر، ويُجلي النمرود عن هذه الأرض وتبقى الجزيرة نظيفة من اليهود، النبي لمَّا عاد إلى المدينة ندب الذين خرجوا معه إلى مكة -الألف وأربعمائة- أن يخرجوا معه إلى خيبر؛ وألا يخرج غيرهم، وكان هذا أمر من الله -تبارك وتعالى- بأن يجعل هذه الغزوة خاصة فقط بالذين خرجوا مع النبي إلى مكة، فلمَّا أراد النبي أن يخرج لقتال خيبر أراد المُخلَّفون أن يخرجوا معه، وطبعًا اعتقدوا أن خيبر مهما كانت وقتال اليهود أسهل من قتال قريش، وأن النصر ظاهر ومتحقق فيها بالنسبة إلى النبي -صلوات الله والسلام عليه- لجيشه العظيم؛ ولأن اليهود هناك لن يصمدوا أمام النبي -صل الله عليه وسلم-، فأرادوا أن يخرجوا من باب أن هذه غزوة أسهل لهم وفيها الغنيمة.

قال -جل وعلا- {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ}، الذين تخلَّفوا عن غزوة الحديبية، {إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا}، إذا انطلقتم؛ خرجتم، إلى مغانم لتأخذوها؛ في خيبر، {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ}، ذرونا؛ اتركونا، نتَّبِعكم؛ نكون معكم ونُتابعكم في هذه الغزوة، قال -جل وعلا- {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ}، يُريد هؤلاء المُخلَّفون أن يُبدِّلوا كلام الله، وكلام الله -تبارك وتعالى- أنه جعل هذه الغنيمة خاصة بهؤلاء الذين صدقوا ما عاهدوا الله -تبارك وتعالى- عليه؛ وأن الله -تبارك وتعالى- وَعَدَهم هذا الأمر، بعد أن صدقوا في هذا وباعوا أنفسهم لله -تبارك وتعالى- فإن الله جعل لهم غنيمة مُعجَّلة في هذه الدنيا، قال -جل وعلا- {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا}، قُل لهم لن تتَّبِعونا؛ أي في هذه الغزوة، {كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ}، كذلكم بهذا قال الله من قبل، هذا قول الله -تبارك وتعالى- ووحي الله -تبارك وتعالى- إلى رسوله، قال -جل وعلا- {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا}، يعني سيكون ردهم أن هذا الذي تفعلونه إنما هو بدافع الحسَد أن لا نخرج معكم ونُشارككم في الغنيمة، فتحسدوننا على أن نخرج ونُشارككم في الغنيمة التي ستأخذونها، {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا}، قال -جل وعلا- {بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا}، لا فقه لهم إلا فقه قليل وذلك أن هذا من عدم الفقه، فكيف يُجازي الله -تبارك وتعالى- جزاء -وإن كان جزاء دنيوي- ويجعل جزاء المُتخلِّفين كالصادقين المؤمنين الذين عاهدوا الله -تبارك وتعالى-؛ وباعوا أنفسهم لله -تبارك وتعالى-؟ هؤلاء لا فقه لهم، هذه التسوية بأن يجعل هؤلاء كهؤلاء يكون هذا كأنه فيه إغراء كذلك بالتخلُّف، وأن الإنسان ممكن أن يتخلَّف وممكن كذلك أن ينال حسنة الله -تبارك وتعالى- في الدنيا، قال -جل وعلا- {بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا}.

ثم قال -تبارك وتعالى- {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}[الفتح:16]، قُل لهؤلاء المُخلَّفين من الأعراب {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ}، إن المعارك مستمرة، معارك الإسلام ستظل مستمرة وأنكم سيأتيكم غير هذه؛ غير هذه التي جعلها الله خاصة لهؤلاء، هذه الغنيمة خاصة بهؤلاء وهم الذين خرجوا مع النبي -صل الله عليه وسلم- في الحديبية، لكن هناك معارك ستُدعَون إليها، {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ}، أهل بأس؛ البأس هو القوة في القتال، قال -جل وعلا- {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ}، اختلفت عبارة المُفسِّرين من السلف مَن هؤلاء القوم؟ هناك قوم مُنكَّرين، {قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ}، عُرِّفوا بأنهم أولي بأس شديد، فقال بعضهم هم بني حنيفة، هم بنوا حنيفة؛ وهم تميم، وغَطَفان، ومَن حولهم ممَن كانوا مع مُسيلمة الكذَّاب وسجاح، وهم قوم من أشد الناس في القتال، بل يقول خالد ابن الوليد -رضي الله تعالى عنه- المتمرِّس؛ الذي قاتل الفُرس، وقاتل العرب، وقاتل الروم، يقول "قاتلت في فارس والروم فلم أجد قتالًا أشد من قتال بني حنيفة"، ما مر يقول علينا قتال كقتال بني حنيفة أشد، بل إن قُرَّاء القرآن خوفًا على نفسهم من شدة القتال أنهم حفروا لأنفسهم وسلسلوا أنفسهم حتى لا يفروا؛ حتى يبقوا في المكان ولا يفروا، ولذلك استحر القتل في حُفَّاظ القرآن حتى أنهم قتلوا من المسلمين مقاتل عظيمة من حفظة كتاب الله -تبارك وتعالى-، وهذا الذي من أجله أشار عمر على أبي بكر الصِدِّيق بجمع القرآن مخافة أن  يضيع، فقال له "إن القتل قد استحر في القُرَّاء في اليمامة، وإني أخاف إن استمر هذا أن يضيع قرآن كثير، فاجمع القرآن"، اجمع كتاب الله -تبارك وتعالى-، فقال بعض أهل العِلم بأن هؤلاء هم بنوا حنيفة؛ والبعض قال بأنهم فارس، والبعض قال بأنهم الروم؛ الروم ذوي تمكُّن ودرَبَة في القتال، وبعضهم فارس؛ فإن الفرس كذلك أهل قتال وأهل شدة فيه، وقد لقيَ المسلمون في قتالهم أمر عظيم جدًا وكانت معهم الفيلة التي لا عهد للمسلمين بالقتال فيها، الشاهد أنه قد ذكَرَ أهل العِلم أن هؤلاء الذي سيُدعَون هؤلاء لقتالهم هم بنوا حنيفة؛ هم الفرس، هم الروم، وعلى كل حال لا يمنع أن يكون هؤلاء؛ فإن هؤلاء جميعًا هم أهل بأس وشدة في القتال.

لأن الوقت أدركنا سنعود -إن شاء الله- إلى هذه الآيات في الحلقة الآتية، استغفر الله لي ولكم من كل ذنب، والحمد لله رب العالمين.